لغة الداد

كان لا يعدو مجرد نبأ عادي أذاعته وسائل الإعلام مؤخرا و يتناول القرار الذي أصدرته الحكومة الجزائرية و انعكاساته على الشارع الجزائري و كان القرار يقضي باعتماد اللغة العربية كلغة رسمية وحيدة للبلاد و التي تتم بها كافة التعاملات المدنية والتجارية..و كرد فعل على هذا القرار نظمت المظاهرات و الاحتجاجات من قبل بعض الجماعات تندد بالقرار و تطالب الحكومة بالعدول عنه .. و لقد وجدت من هذه القضية مدخلا مناسبا للحديث عن قضية قد يعتبرها البعض ثانوية و هي واقع لغتنا العربية الآن!!!
من الجدير بالذكر أن أولى مقومات القومية العربية هي وحدة اللغة ، و لكن بنظرة موضوعية متأنية في أحوال أقطارنا العربية نجد على سبيل المثال المسافر من الشام إلى المغرب قلما يستطيع أن يتفهم ما يقوله رجل الشارع هناك

رغم أن اللغة الرسمية في كلا البلدين هي اللغة العربية ، و لكن ما الذي يحدث؟!!
مما لا شك فيه أن الاستعمار و ما تمخض عنه من اختلاط للأجناس قد لعب دورا بالغ الخطورة في الحد من تأصل اللغة العربية وإبعادها عن متحديثها شيئا فشيئا و ذلك لتحقيق مطامعه و أهدافه الخبيثة في تفكيك الوحدة و إضعاف

الشعور القومي العربي، و بعيدا عن تلك المسببات التي أحدثت مثل هذا الخلل و الذي بموجبه أصبح لكل قطر لهجته أو بالأحرى لغته الخاصة به ، دعونا نسلط الضوء على بعض ما يجري و نتناوله بالعرض و التحليل.
يفخر كثير من المصريين بلهجتهم العامية المميزة لا لشيء و إنما لأنها على حد قولهم أصبحت الوسيلة المثلى لإمكانية حدوث تفاهم بين الأشقاء في شتى البلدان العربية و الذين لا يجيدون التحدث باللغة العربية الفصحى، و قد يعزى

ذلك إلى احتكار الإعلام المصري للوطن العربي و تكدس الأسواق العربية بالمواد الفيلمية و المسرحية المصرية و غيرها و التي تعرض يوميا على شاشات التلفاز و في دور السينما في كل الأقطار العربية، و لعل المرء يجد أثر

ذلك واضحا في الشارع العربي فتجد مثلا كلمة “ازيك” كثيرة التداول من قبل المثقف و الرجل العادي على حـد سواء رغم أنها لا تمت للغة العربية من قريب و لا من بعيد….
و لقد انحرف الكثير بتفكيرهم و اعتقاداتهم فيما يختص باللغة و أصالتها فأصبح الشاعر المبدع في نظرهم هو ذاك الذي يصوغ الكلمات العامية بأسلوب موسيقي مبتذل يمتع به الشارع و المقهى و الحي الشعبي، و مما يدعو للعجب

حقا تلك القاعدة الجماهيرية العريضة التي يحظى بتأييدها و إعجابها مما أغرى الكثيرين بالانخراط في هذا المجال و بث المزيد من السموم في اللغة و إنهاك عراقتها، و أصبحت “السح الدح امبو” بكلماتها الرنانة الهادفة مناط

اهتمام و إعجاب من قبل العامة و حتى المتخصصين في ذلك المجال وحققت رواجا هائلا في المجتمع العربي و حصدت الكثير من الجوائز و الأرباح.
و لعل كل هذا لم يبتعد كثيرا عن هدف المستشرقين الذين حاكوا مؤامراتهم على القومية العربية ، ونجحوا إلى حد كبير في إبعاد العرب عن لغة قرآنهم تدريجيا و ذلك بهدف تفريغه من مضمونه و إبقائه في كل البيوت كتحفة فقط ،

و قد اتبع الغرب من أجل ذلك وسائل مختلفة من خلال تشجيع الكتاب العرب للكتابة باللغة العامية و إغرائهم بالمال و الشهرة ، و فتح المدارس الخاصة و مدارس تعليم اللغات التي لا تضع للغة العربية اعتبارا و تعتبرها لغة ثانوية

بالمقارنة مع اللغات الأجنبية الأخرى..
و لا يفوتني أن أذكر موقف سوريا و مبادرتها باعتماد اللغة العربية الفصحى الوسيلة الوحيدة للتعبير عن آمال هذه الأمة و عراقتها في وسائل الإعلام المختلفة لتعكس و لو جانبا من الأصالة العربية و تشكل عائقا للمؤامرات التي

تحاك ضدها محاولة و لو من جانبها إيقاظ الشعور القومي العربي في كل مكان و الذي أوشك أن يقصمه تعدد اللهجات و من ثم وأد الوحدة العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top